فخر الدين الرازي

64

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يومئذ نجوما فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على وجه الأرض ، قال عطاء : وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور ، وتلك السلاسل في أيدي الملائكة ، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة . الثالث : قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 3 ] وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) أي عن وجه الأرض كقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [ النبأ : 20 ] أو في الهواء كقوله : تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] . الرابع : قوله : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 4 ] وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ( 4 ) فيه قولان : القول الأول : المشهور أن الْعِشارُ جميع عشراء كالنفاس في جمع نفساء ، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم ، و عُطِّلَتْ قال ابن عباس : أهملها أهلها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة ، وليس شيء أحب إلى العرب من النوق الحوامل ، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل . والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك ، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 88 ، 89 ] وقال : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 94 ] . والقول الثاني : أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه أشبه بسائر ما قبله ، وأيضا فالعرب تشبه السحاب بالحامل ، قال تعالى : فَالْحامِلاتِ وِقْراً [ الذاريات : 2 ] . الخامس : قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 5 ] وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ( 5 ) كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس فهو وحش ، والجمع الوحوش ، و حُشِرَتْ جمعت من كل ناحية ، قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، قال المعتزلة : إن اللّه تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك ، فإذا عوضت على تلك الآلام ، فإن شاء اللّه أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسنا فعل ، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر ، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على اللّه شيء بحكم الاستحقاق ، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ، ثم يقال لها موتي فتموت ، والغرض من ذكر هذه القصة هاهنا وجوه أحدها : / أنه تعالى إذا كان [ يوم القيامة ] يحشر كل الحيوانات إظهارا للعدل ، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن ؟ الثاني : أنها تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري ، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم والثالث : أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبعض ، ثم إنها في ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم ، وفي الآية قول آخر : لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال - إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم -